الشنقيطي
216
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ قرىء يهدأ بالهمز من الهدوء ، وقلبه بالرفع ، وهي بمعنى يهدي قلبه ، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، فيسترجع فيطمئن قلبه بهذا ولا يجزع ، وهذا من خصائص المؤمن . كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له حتى الشوكة يشاكها في قدمه » « 1 » . ومثل هذا قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [ البقرة : 155 - 157 ] . أي إلى ما يلزمهم من امتثال وصبر ولذا جاء بعدها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ التغابن : 12 ] . ومن ناحية أخرى يقال : إن قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ والكفر أعظم المصائب ، ومن يؤمن باللّه يهد قلبه . والإيمان باللّه أعظم النعم ، فيقول قائل : إن كان كل ذلك بإذن اللّه ، فما ذنب الكافر وما فضل المؤمن ، فجاء قوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ التغابن : 12 ] بيانا لما يلزم العبد ، وهو طاعة الرسل فيما جاءوا به ، ولا يملك سوى ذلك . وفي قوله تعالى : يَهْدِ قَلْبَهُ من نسبة الهداية إلى القلب بيان لقضية الهداية العامة والخاصة ، كما قالوا في قوله تعالى عنه صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] مع قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] . فقالوا : الهداية الأولى دلالة إرشاد كقوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] . والثانية : هداية توفيق وإرشاد ويشهد لذلك شبه الهداية من اللّه لقلب من يؤمن باللّه ، وقوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ التغابن : 12 ] بتكرار فعل الطاعة يدل على طاعة الرسول تلزم مستقلة .
--> ( 1 ) أخرجه عن صهيب بن سنان مسلم في الزهد والرقاق حديث 64 .